|
عشاﺀ قروي وأمسية تراثية في النبطية
رنا جوني
جلست الحاجة فاطمة في ساحة المنشية حيث وضعت "بلاطة رخامية أمامها"، بدأت تدق اللحمة الجنوبية، تحوطها عيون الصبايا والشباب الذين اعتادوا أن يأكلوا اللحمة المدقوقة على الماكنة، فيما انشغلت خديجة وسهى ومريم باعداد العشاﺀ القروي، من الرشتاية الى كبة الحيلة والعدس، ومعها المجدرة ولبن امو والماش وغيرها من الأكلات النبطانية التراثية.
أكــلات تراثية وجو تراثي عبق على ساحة النبطية في الأمسية الجنوبية الثانية، التي أرادها امام المدينة الشيخ عبد الحسين أن تحيي التراث في عيد التحرير، بكل تلاوينه من المأكولات الشعبية التي غابت عن منازل كثر ويجهلها الجيل الشاب، الى الزجل التراثي الذي أخذ المنحى التراثي ليتلاﺀم وجو الليلة وطبعا القهوة العربية المرة.
فــي الساحة تجمهر الشباب بقرب الحاجة فاطمة بصوت عال يصرخ محمد "ما تنسيني بالفراكة" وعلى مقربة منه وقفت فاطمة ومحمد "يستكشفان" المأكولات الــتــي عــرضــت على طــاولــة كبيرة وسط ساحة النادي الحسيني في النبطية، يسألون عــن الأصناف الذي يجهلونها "كثيرة هي الأكلات التي نجهلها".
احداهن يدفعها فضولها الــى ســؤال أم علي عن مكونات الرشتاية وكبة الحيلة، ومهروس الماش، "فتأتيها الاجابة" يا بنتي هيدول أكلات كنا ناكلهن زمـــان، جيلنا كــان يحبهم، مش متل جيلكون ما بياكل الا اللحم "، تضحك فاطمة وهي تصغي الى كــل كلمة تــصــدر مــن شفتي أم علي التي انهمكت في مساعدة أم يوسف في خبز الــصــاج، ترق العجين، وتلوحه ثم تضعه على "الكارة" لتتلقاه ام يوسف وتضعه على الصاج، وبجانبها ينتظر علي أن يتلقف الرغيف ليأكله ساخنا، وطبعا الحلويات الشعبية حضرت من العوامة والنمورة وغيرهما.
حــضــر الــتــراث وحــضــرت معه أصالته، وحضر الشباب وعايش حياة يتوق الى التعرف عليها، ويتمنى في قريرته أن تعود ولو أياما، لما لها من معان في داخله، فالهدف ابراز الهوية الجنوبية المجردة من كل العناوين، فكانت صورتها حاضرة بين طيات الشباب والجمهور، الذي عبقت منه رائحة الجنوب، وذكريات الــجــدود، مــن على طــاولــة العشاﺀ القروي التي اجتمع حولها كل من حضر الأمسية، لتذوق الأكلات التي أعدتها ربات البيوت".
"كـــل شـــيﺀ تــراثــي جــنــوبــي، لا تعليب داخله، الموسيقى تراثية والجمعة تراثية وحتى القهوة مرة" بحنين تقول رولا كلماتها وهي تحمل صحن "الرشتاية" وتتذوقه بشراهة، "نفتقد الى الألفة وهكذا ســهــرات تــعــيــد لــم الــشــمــل بين الأهالي "يقول موسى الذي جاﺀ من بيروت ليشارك في هذه السهرة"، ما بدي روَح العشا القروي "يقاطعه مروان قائلا" الجو عائلي وكل شيﺀ يعيدنا الــى حــيــاة أجــدادنــا التي نجهلها، لكم اشتقنا الى رواياتهم وحكاياتهم "لو كان هناك من يروي قصصهم في هذه الأمسية، ولكن"...
يتوقف مــروان عن الكلام ليتأمل المسرحية التراثية التي أعدها المخرج حسام الصباح بمشاركة الشباب في هذه المناسبة.
"صف تحت القصف" شد انتباه كل من حضر الليلة التراثية، اذ حضرت الــطــاولات والــلــوح الأخضر وحضر معها "تعليم ايــام زمــان" فحاكت الواقع الذي عاشه الجنوبي، المسرحية رسمت الضحكة على الــوجــوه، ولكنها في الوقت عينه ركزت المسرحية التي أداها شباب تــراوحــت اعــمــارهــم بين التاسعة عشرة والعشرين على اهمية التعلم وركزت على عنصر الكتاب لمقاومة المحتل.
احياﺀ التراث في زمن بدأ التراث يندثر ويغيب عــن بــال كثر من جيل الــيــوم، هــذا ما دفــع بشباب اســعــاف الــنــادي الحسيني الى تنظيم الأمسية التراثية كما يقول مهدي صــادق، "فالقيم والأصالة الجنوبية، أردنا أن نعيد احياﺀها، ونعيد مجدها، وان كان عبر ليلة ولكنها ستخلد في نفوس الشباب، المتلهف الى معرفة عادات وحياة الأجداد".
وطبعا كــانــت كلمات الشاعر طليع حمدان في الأمسية ترندح داخل آذان الشباب، الذي يفتقد الى الزجل وسهراته في هذه الأيام، فلقد غلب المد العولمي الغربي على الطابع الشرقي فغابت عنه أصالته، وهنا يلفت صادق الى "أننا جهدنا لكي يكون الشباب هو القيم على الأمسية، سواﺀ عبر العمل المسرحي الكوميدي، أم عبر الزجل، وكذلك مشاركته في" العشاﺀ وذلك لكي يتعرف على حــيــاة الأجــــداد وما تختزنه من معاني الطيبة والالفة والمحبة التي بــدأت تنحدر نحو مستنقع المال والفساد.
يــشــار الــى أن الــمــهــرجــان هو الثاني للأمسية الجنوبية، والذي استحوذ هــذا الــعــام على انتباه الشباب لما يحيويه من قيم وعادات جديدة.
|